أعظم معلمي العصر الحديث

الاثنين : 29 - أكتوبر - 2018 | 8:48 مساء
أعظم معلمي العصر الحديث
كتب :: سيد داود المطعني

يمر علينا من المعلمين طوال سنين حياتنا من يمر، نرى فيهم ما نراه من حسن الإلقاء والتلقين، ومن تقديم ما بوسعهم تقديمه للمتلقين.

كنا نراهم في الكتاتيب قديما، وكذلك رأيناهم أمام سبورة فصول مدارسنا، ووصلنا لنرى المعلمين على منصة المحاضرات في الجامعة.

ورغم كل ذلك، لم أرَ شخصيا، معلما في حياتي، كوالدي رحمه الله، ذلك الرجل الأمي الذي لا يجيد القراءة ولا الكتابة، ولم يحصل على أي شهادة رسمية، سوى تلك الشهادة الرمزية التي حصل عليها من فصول محو الأمية، ليدعم بها درجته الوظيفية.

ذلك الرجل الأمي الذي علمني رسم ونطق الحروف، حتى انتقلت من مرحلة القراءة والتثقيف، إلى طور الكتابة والتأليف، ولا زلت بفضله أقرأ، ولم أزل أكتب ما أريد.

والدي الذي تعلمت من حكمته أن "الكسل يمنع التوفيق"، وأن العلم يضفي على صاحبه الوجاهة الدنيوية المطلوبة، وأن القراءة تجعل منك رجلا مسموع الكلمات.

فمنذ نعومة أظافري، بدأ يعلمني تلك الحروف التي تعلمها في تلك الفصول، لأجد نفسي وقبل دخولي المدرسة، أقرأ الحروف، وأكتبها جيدا، وأرسم من خلالها تلك الكلمات، والأسماء، مثل عادل وسعاد ومحمد، وأسطر بها اسمي، واسم والدي رحمه الله.

حتى التحقت بكتاب القرية، لأحفظ القرآن، رأيته يسألني عن معنى بعض الآيات ويفسرها لي بطريقته ومحدودية علمه وبساطته.

لا أنسى تلك اللحظة التي رافقته فيها في صلة أحد الأرحام، فسألني عن قصد آية في القرآن، يقول فيها ربنا عز وجل "وليخشَ الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم، فليتقوا الله ربهم وليقولوا قولا سديدا"

ولم أفهم المقصود من الآية لصغر سني، ليقول لي ببساطته أن الآيات تأمر والدي أن يرعى الله فينا لو كان يخشى علينا بعد رحيله.. ولم يكن رحمه الله يعلم أن لها عدة تفاسير.

وانتقلت للمرحلة الابتدائية ثم الإعدادية، فرأيته يطالبني في الإجازة الصيفية، أن أقرأ في أي شيء حتى  أصبح ناضجا.

كان يشتري لي جريدة الجمهورية في كل جمعة، لأقرأ فيها، فأتعلم كيف تسير الحياة من وجهة نظره، وتلك هي رسالته.

إذا شكوت له يوما من حدة أحد المعلمين معي، كان يقول لي، لو أن ذلك المعلم الحاد معك، مدرسا لإحدى المواد الدراسية، فلن يتدخل في شأنه، وسيعطيه الحق ليفعل ما يريد، وإن لم يكن مدرسا لتلك المواد، سيلقنه درسا لا ينساه، وهي رسالة واضحة من والدي رحمه الله، أنه يقدس رسالة مدرسي المواد الدراسية، وأنه لن يقحم نفسه في أعمالهم وتعاملاتهم معي.

حاول مرارا وتكرارا أن يقنعني لألتحق بدبلوم البريد، حتى أتمكن من اللحاق بوظيفة حكومية في هيئة البريد المصرية وأنا في سن صغير.

بكيت يومها، وقلت له أن أملي في الحياة أن أكون متعلما لا موظفا، أتمنى أن أكون ذو بصيرة لأنطلق إلى الحياة العملية، وأنا أحمل أفكارا لا تقل شيئا عن أبناء جيلي، والتحاقي بدبلوم البريد سيحد من فكري لا محالة.

تبسم، وهز رأسه بالموافقة لالتحاقي بالثانوية العامة، ليقول لي بالعلم تبلغ ما تريد.

التحقت بالجامعة، وأصر أن يرافقني في أول يوم لسفري إلى هناك، ووضعت حقائبي بالسكن الخارجي للجامعة، فتركني بين زملائي وغاب عني بضع ساعات، ثم حضر لي، وبيده ورقة مكتوبة بخط  يد مهندم يسر الناظرين، تتضمن أماكن محاضراتي، وأسماء أساتذتي بالفرقة الأولى بالكلية، وطريقة كل منهم في التعامل مع الطلاب.

لأعرف من خلال والدي وقبل دخولي لقاعات الدراسة، حقيقة الأساتذة، من منهم يعشق المرح، ومن يميل إلى العبوس، ومن يصر على شراء الكتاب الخاص به، وكيفية التعامل مع كل واحد فيهم.

تعلمت منه رحمه الله، الصبر على الفشل حتى أستكمل السعي، شربت منه عشق العمل مهما كانت صعوبته، وأخبرني بأن كسب الحلال سر السعادة، واستسهال الحرام شقاء ليس بعده شقاء.

معلمي الأعظم في ذلك العصر الحديث، لم يكن مؤلفا، ولا كاتبا، ولا مدرسا، ولا محاضرا، ولا تربويا، ولكنه كان أبا، رجلا أميا، تتقطر من لسانه كلمات يطيب لي تذوقها، فأطعم بها عقلي، فتقوى بصيرتي، وأرى من خلال حقيقة الحياة، وأسير عليها في طريقي، حتى إذا ما حدت عنها، أراني أضل الطريق.

والدي الرجل الأمي هو أعظم معلمي العصر الحديث.

رحم الله والدي.

الكمات الدالة


التعليقات

مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على بوابة اخبار التعليم ، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق


مرتضى ابو عقيل - رئيس التحرير
آخر افتكاسات التعليم العالى