معلمتي التي كانت "رمانة الميزان"

الأحد : 9 - سبتمبر - 2018 | 5:57 مساء
معلمتي التي كانت
كتب :: سيد داود المطعني

كنت غربيا عن تلك القرية التي التحقت بمدرستها المطاعنة الابتدائية المشتركة، إذ كانت أسرتي حديثة عهد بالسكن في قرية وابورات المطاعنة قادمة من أصفون وقتذاك.

رأيت في المدرسة ما يحطم آمال كل طفل ينتظر العناية والتقدير من معلميها، رغم قوة مديرها الأستاذ محمد حمور وحياديته في تلك الحقبة.

عانيت مثل ما عانى الكثير من زملائي من تجاهل المدرسين لقدراتنا الذهنية وتفوقنا العلمي، وذلك على خلاف باقي الزملاء من أبناء المعلمين والمعلمات والإداريين والإداريات الذين يجدون الحفاوة وتبادل المزاح مع كل مدرس يدخل إلى فصلنا منذ السنة الأولى وحتى الخامسة.

ولكنها العناية الإلهية التي تدخلت في أنسب الأوقات وأكثرها حساسية، لتمنحنا الأبلة هنية جابر رحمها الله، والتي تحل غدا الذكرى السابعة لرحيلها عن عالمنا إلى دار الحق.

هنية جابر التي ظهرت في حياتنا ونحن بالصف الخامس الابتدائي، معلمة للغة العربية ورائدة لفصلنا "خامسة أول" لتكون لنا بمثابة طوق النجاة الذي ينتشلنا من براثن اليأس وفقدان الثقة بالنفس.

كيف لا نفقد الثقة بأنفسنا وقدراتنا ونحن من كنا نرى العبوس في وجوه المعلمين الذين لا تربطنا بهم أي صلات اجتماعية، فلا هم من قرابتنا ولا هم زملاء لأسرنا، لا سيما أنا الساكن الجديد بتلك القرية.

لا أنسى مدرس مادة الخط العربي بالصف الثالث الابتدائي الذي كان يصحح الكراسات وهو يبتسم للبنات، ويمزح مع أبناء المعلمين والمعلمات، وما إن جاء دور كراستي حتى رسم عليها علامة "X" بكل غضب وألقاها خارج الفصل دون سبب، فنظرت إليه حينها ودخلت إلى مكاني ولم أخرج لإحضار كراستي انتقاما لكرامتي، فأخذ يأمرني بإحضارها وأنا أتجاهله حفاظا على عزة نفسي رغم طفولتي، حتى قام ينهال على جسدا ضربا بالعصا، قد استفزه إبائي.

ظهرت هنية جابر في حياتنا لترى المنطق الغريب في ترتيب صفوف الفصل، حيث يخصص الجلوس في الأماكن الأمامية لأبناء المعلمين والمعلمات، وأنا وغيري في أواخر الصفوف.

وبعد ما اكتشفت بنفسها الفروق الهائلة في قوة الاستيعاب بيننا وبينهم، ثارت على ذلك الترتيب ووضعت الأمور في نصابها الصحيح، وأخذت تضفي علينا واسع الاهتمام, وتتجاهل الآخرين، تشيد بنا في كل موضع تجلس فيه، وتصب جم غضبها على الآخرين، لا تبالي بزميل أو زميلة لها, ما دام الأمر يتعلق بحقيقة تلمسها داخل الفصول.

إلى أن جاءت اللحظة التي لن أنساها أبدا، حينما تلقت المدرسة خطابا يفيد بضرورة بمشاركتها في مسابقة أوائل الطلبة، مع إحدى مدارس البندر القريبة من الادارة، وتسلمت المدرسة الخطاب في نفس اليوم المحدد للمسابقة.

وجاء الأخصائي الاجتماعي ومعه بعض المدرسين ليختاروا أبناء زملائهم من المعلمين والمعلمات لتمثيل المدرسة، وكأن في الأمر نزهة لا يستحقها غيرهم.

إلى أن حضرت رمانة الميزان "هنية جابر" رحمها الله، لتصرخ في وجوه الجميع، وتتساءل عن ذلك المنطق الغريب الذي يتعاملون به في المدرسة، وعن تلك المعايير الخاطئة التي يختارون بها من يمثل المدرسة، ونظرت للمدير تسأله:

_ انت عايز تجامل أبناء المدرسين يا مدير؟ ولا عايز حد يشرف المدرسة قدام موجهي الادارة؟

_ عايز حد يشرفنا طبعا يا أبلة هنية

وهنا أمرت الجميع بالدخول لأماكنهم لتختارني وبعض زملائي المغضوب عليهم بالتجاهل آنذاك، لا لشيء إلا لانعدام الروابط الاجتماعية بيننا وبين معلمي المدرسة حينذاك.

كانت هنية جابر قوية في الحق، لا تزيغ عنه أبدا، والكل عندها سواء لا فرق عندها بين من تعرف ومن لا تعرف إلا بالتفوق العلمي.

كانت ترى في الملتزمين والمتفوقين أنهم أبناءها, ليس في المرحلة الابتدائية فحسب، بل حتى يصلوا إلى الجامعة، وهذا ما عايشته بنفسي إذ كانت دائمة السؤال عني، تهنئني في نجاحي، وتواسيني في اخفاقاتي، وتبث فيَّ روح الأمل كلما رأتني.

كانت رمانة الميزان "هنية جابر" رحمها الله، الأكثر جرأة على تقويم المنكر بيدها، لا تخشى ضيق صدر من لا يتقبل.

ولا أنسى تلك اللحظة التي كانت المدرسة كلها في طابور الصباح صامته، وشهدنا مشادة بين أحد شباب المعلمين، وآخر أكبر منه سنا، وتبادلا سب الدين بأصواتهم العالية، وما كان من المعلمين إلا أن أمروا الطابور بالصعود للانصراف، ولم يلقي أيا منهم اللوم على زميله، وكان لرمانة الميزان رحمها الله شأن آخر، إذ قلبت الدنيا رأسا على عقب، وجعلتهم كالمتهمين في قفص المحاكمة، تعاتبهم بغضب، وهم يستمعون كالخائبين، وانصرفت عنهم غاضبة، لأنها رأت في نفسها طرفا آخر أصابه الأذى من قيامهم بسب الدين.

إلى أن جاءوا خلفها إلى فصلنا يعتذرون لها تباعا معترفين بجرمهم، ولو أن رمانة الميزان ما عاتبتهم، لم يكن أحد ليعاتبهم، وكأنه أمر شخصي لا يتعلق بأحد سواهم.

مهما تحدثت عنها رحمها الله، فلن أوفيها حقها، حتى فكرة الكتابة نفسها تبخسها الحق الأعظم في تخليدها.

ولكنني عرفت الآن في ذكراها أنه كاذب من ادعى أنه صاحب الفضل في تشكيل وعي نفسه، وجاحد هو ذاك الذي ينكر فضل معلم على الأقل في رسم مسار حياته.

لا أدري ما الذي كنت سألاقيه لو ما ظهرت الأبلة هنية جابر رحمها الله في حياتي، فكانت النعمة التي حمدنا الله عليها، وظلت حية في ضمائرنا حتى تلك اللحظات.

رحم الله رمانة الميزان هنية جابر .. والتي رحلت عن عالمنا في يوم 10/9/2011


التعليقات

مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على بوابة اخبار التعليم ، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق


مرتضى ابو عقيل - رئيس التحرير
آخر افتكاسات التعليم العالى